منتدى الشاعر / محمد السخاوى
أهلا بزوارنا الكرام

الفصل الأول من رائعة د/ يوسف زيدان الجديدة : محال

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفصل الأول من رائعة د/ يوسف زيدان الجديدة : محال

مُساهمة من طرف إبراهيم عبد المعطى داود في الإثنين سبتمبر 19, 2011 9:57 pm

د. يوسف زيدان يكتب: حلقات من رواية محال بدءُ الحكاية: كلابشة

١٤/ ٩/ ٢٠١١
الحياةُ تُحيِّرنا، بأن تُبهرنا بالبرَّاقِ من ألوانها كى نرتادَ دروبها فرحاً وغفلةً، ثم تفجؤنا فى الحنايا الصوادم أَمْ تُراها تحتالُ علينا، بأن تمنحنا أحياناً ما يُحاذى أحلامنا، ويفوق، فنُسرف فى الطمأنينة ونختالُ بين الخيالات؟.. مَنْ يدرى؟ لعل الحياةَ لا تكترثُ بنا أصلاً، فنُلاحقها نحن بصنوف الحِيَل حتى يغمرنا التعلُّقُ بالتمنِّى، والتقلُّبُ فى الترقُّب، والأملُ فى اهتبالِ النوال. عسانا أن ننسى مع مَرِّ السنين، أننا فى خاتمة التطواف مسلوبون لا محالة، ومحجوبون.

هذا الشابُّ عشرينى العُمر، الرائقةُ سُمرته، المستكينُ فى جلسته على حافَّة البحيرة. محجوبُ اللحظةِ عما ينتظره اليوم، وغداً، ولا يشغله الآن إلا اصطيادُ بضع سمكاتٍ تكفى للغداء، وقد لا تكفى. الأسماكُ رخيصةٌ فى أسوان، لكن صيدها أرخصُ وأروحُ للصيادين الهواة من أمثاله. بعد حينٍ سيأتيه الباصُّ الذى ذهب إلى المطار قبل الفجر، لتوصيل فوج السائحين الأجانب الذين جاءوا قبل يومين، وبعد ساعتين، سوف يطيرون إلى القاهرة بطائرةٍ مخصوصة. لابد أنهم أغدقوا على المندوب السياحى والمرشد الذى صحبهم، ولعلهم أسعدوا السائق ببعض الدولارات. سوف يأخذه سائقُ الباصُّ من هنا إلى محطة القطار، ليبدأ رحلة عملٍ جديدة تضيف إلى رصيده المخبوء، مالاً جديداً.

هو لا يعرف فى غمرة غفلته الهانئة هذه أنه سوف يستعيد سعادة تلك اللحظة لاحقاً ويحدِّق فى أعماق ذاته، بعدما يصل به عمرُه إلى الأربعين. العشرون سنُّ الحجْبِ بالفتوة، والأربعون بدء الكَشْفِ والنبوَّة. لو انتهك له الحجابُ الآن، لأفاقَ من أوهامه وكَفَّ عن التحليق بأجنحة الأحلام، حتى تملَّكه الأملُ المستحيلُ فى الزواج بفتاةٍ نوبية من جماعة المتُّوكِّى، تكون ساحرةَ الحضور ومُحبة مانحة. تُشبه هذه البحيرةِ، هادئةِ الحنوِّ، المتموِّجةِ صفحتُها بانتظامٍ آسرٍ، مع نسمات النور الرقيق الآتى بصحبة هذا الصباح الشتوى البديع.

رُوحُه ترتاحُ عند حوافِّ البحيرة، فيأتى إليها دوماً بعد صلاة الفجر ويرمى بوصة الصيد فى الماء، ثم يسكن حتى تطمئن سمكةٌ وتنخدع بالطُعم، فتعلق فى الطرف المغمور وتصير طعاماً.. حتى لو خلت البحيرة من الأسماك، وكفَّتْ عن المنح، فسوف يظل يأتى للجلوس على ضفافها، وسيظل يكتب فيها الأشعار التى لم يخبر بها أحداً، قط، ولن يقرأها إلا لهذه البحيرة الحنون، التى يؤلِّف الشعر من أجلها. الظِّلُّ يدلُّ. لا يحتاج النظر فى ساعة يده ليدرك أن عقاربها تلامسُ السادسة، ولن يقلق على وصول الباصِّ ليأخذه فى تمام السابعة والنصف، لأن المواعيد مرعيةٌ عند العاملين بالسياحة وغيرُ قابلةٍ للقلق.

هامَ بعينيه من جديدٍ على وجه الماء، فغمرَه الشعورُ الزُّورُ بأن البعيد قريب. البحيرةُ تُحرِّضُ الحالمين وتحنُّ على الوحيد المغترب حين تستخفُّ بالمسافات، وتستهينُ بتلك الحدود المرسومة لفصل المتصل بين مصر والسودان، الحدود، فوق الأوراق يرسمها السَّاسةُ بحسب المصالح والأهواء، ثم يزرعون عندها السياج وينثرون حولها المسلَّحين فتمسى حائلاً لا يحولُ ولا يزولُ، إلا بالإذن أو بالسلاح. الصغارُ يرونها فى الرسوم فيصدِّقون بها، وقد يقتتلون من أجلها حين يكبرون، لأن الوهمَ يُمسى بعد حينٍ حقيقا.. فيصير التيهُ للناس طريقا.

العام الماضى كتب للبحيرة قصيدة يسألها فيها عن اسمها، وعما رأته طيلة السنوات الثلاثين الماضية، فلم تجبه. الناسُ هنا يسمونها البحيرة دون إضافة، أو يفصِّلون للأغراب فيقولون «بحيرة السد» وأما الكتبُ المدرسيةُ فهى تحتال على الصِّبيان وتسمِّيها بحيرة ناصر. كانوا يشتهون فى مصر النصر بعدما افتقدوه طويلاً فى الحروب، فوضعوه عنوة فى التسميات استجلاباً له وتيَمُّناً باسم رئيسهم ناصر..

«الناصرْ ربنا، وهوَّ المستعان» يزعق الحاجُّ بلال بذلك كلما سمع اسم عبدالناصر، مع أن صوته فى العموم خفيضٌ، لكنه لا يحب الرئيس الذى حَرَمه من بيته النوبى المشرفة نوافذه على النيل، من فوق ربوة صارت اليوم قاعاً للبحيرة. الحاجُّ بلال المؤذِّن رجلٌ وديعُ القلب، طيبٌ، لكنه كأهلِ النوبة كلهم يَأْسَى لسابق الأيام ولم يستسلم بعدُ للنسيان. وهو كبقية كبارهم سِنّاً يؤكد أن جبلاً من الذهب كان يلمع عند الفجر بناحية الشرق، حتى طمَّ الماءُ بعد السدِّ فانطمر الذهبُ مع الدفائنُ، وينطمر الزمانُ النوبىُّ، ويوقن الحاجُّ بلال أن بجوف النيل سكاناً يعيشون حياتهم تحت الماء، كان أهلُ النوبة قديماً يعدُّون الطعام فى المناسبات، ويرسلونه لهم على صفحة النيل.

كان رزقُ الأسماك

اهتزت الزاويةُ العاليةُ المحصورةُ بين البوصة والخيط، فانتبه الغافلُ وجذب الطرف المغمور بسرعة، فأتت السِّنَّارةُ بسمكة بُلطيَّة فى حجم الكَفّ تتراقص ألماً ويأساً. استخفَّ به الفرحُ فانفلتتْ منه قَهْقهةُ شابٍّ سودانىِّ الأب، مصرى الأم، يعيش بأسوان بعيداً عن أهله الأوَّلين. أعاد السنارة إلى البحيرة وفيها طُعمٌ جديد، وعاد لحاله السابق مستغرقاً فى اللا شىء الغامض السحرىّ.

من بعيدٍ رأى الصيادين الصامتين فى قاربهم النحيل، يرمون بطول أذرعتهم شباكَهم الآمِلةَ فيما تمنحه البحيرةُ من أسماكٍ يشتهونها كباراً، وكذلك يشتهيها تجارُ سوق السمك بأسوان، ويشتهيها من بعدهم الآكلون. الصيدُ رزقٌ حلالٌ، ممنوحٌ، فالبحيرةُ الممتدة بلا اعتبارٍ للحدود لا تشترط شيئاً حتى تمنح وتُخرج خيرها، وهى لا تأخذ كى تعطى. العاطى سوف يأخذُ بعد حينٍ، لا محالة، وأما المانحُ فهو المحبُّ الواهب. والحبُّ والوهبُ صفةُ الأمهات، شبيهات البحيرات، المانحاتِ من دون اشتراط المقابل وبلا ارتباطٍ بأحوال القابل.

هذا سِرُّ الأمومة

أُمُّه فى أُمِّ دُرمان. تعيش بعيداً عنه مع إخوته السبعة، فى بيتٍ واسعٍ بتلك البلدة المرتمية كالمغمى عليه على الضفة الغربية للنيل، قُبالة العاصمة الخرطوم. أبوه اختارها مسكناً للأسرة لأنه يتاجر فى الجلود، يجلبها زهيدةَ الثمن من ناحية «سِنَّار» النائمة فى الجنوب الشرقى للسودان، ويأتى بها إلى التجار الكبار فى أسوان ليرسلوها إلى المدن الكبيرة، فتغدو غالية الثمن من بعد انخفاض أسعارها هناك.

كُلُّ كثيرٍ فى موطنه رخيصٌ زهيد، لكنه يغلو إذا انتقل. أسكن الأبُّ أسرته فى أمِّ درمان ليمرَّ بهم فى ذهابه والإياب، فيستقر معهم أياماً فى البيت القريب من الشارع الواسع. حيث الحياةُ أهدأُ من الخرطوم، وأرخصُ، وأنسبُ للأم والأبناء الصغار. أمُّ درمان هى الجانبُ الأفقرُ من الخرطوم، والأطيبُ، مع أن كلا الجانبين طيبٌ وفقير.

■ ■ ■

قبل سنواتٍ أربع، انتهى من سِنى مدرسته الثانوية متأهِّلاً للجامعة، وصار عليه أن يعمل إلى جانب الدراسة، ليساعد أباه الكادح ويترقَّى بذلك إلى مرتبة الرجال. الرجلُ لا بد له من عملٍ، لأن البقاءَ بالبيوت شأنُ النساء ولا يليق بالرجل التشبُّه بهنَّ. هذا ما تعلَّمه من أبيه منذ الصِّغَر، ضمن أصولٍ صار مع الوقت يراها تامة اليقين، ولا مجال فيها لجدال: إذا تشبَّه الرجالُ بالنساء والنساءُ بالرجال، فسوف تقوم القيامة عن قريب. لا تأكلْ من حرامٍ مهما عذَّبك الجوع، فالموت جوعاً أهونُ من عيش الحرام. إذا فعلت الزنى فسوف يُفعل فى أمك وأختك، فكما تدينُ تدان. الموتُ بشرفٍ، أفضل لك من العيش مع العار.

ذهب مع أبيه إلى «سِنَّار» مرةً فنفرت روحه من هناك، فهو لا يهوى النواحى الحافلة بأراذل أهل الجنوب، ولم يُطق زهومة الجلود. ومع دخول العام ١٩٩٠ جاء إلى أسوان مع أبيه فى إجازة نصف العام، وبتوفيق الرحمن جرى الاتفاق على بقائه هنا للعمل فى سوق السياحة الرائجة، مع مذاكرة مقررات قسم الاجتماع.. قبل ابتداء الصيف تكسد السياحة ويقلُّ الزُّوارُ، فيذهب إلى الخرطوم ليؤدى الامتحانات ويسكن شهور الصيف اللاهب فى حِضن الأُسرة.

لولا قريب أُمِّه «حَمَدون أبوغابة» مدير المكتب السياحى، لما تمكَّن من إيجاد فرصةٍ فى السياحة التى يتنافس على رزقها الوفيرِ المتنافسون، ولولا الصديق القديم لوالده «الحاج بلال» لما سكن بهذا البيت المنـزوى بالطرف الجنوبى من أسوان، ناحية الخزان، واطمأن فيه. هو حوشٌ فيه حجرتان، ملحقٌ بالزاوية التى يؤذِّن فيها الحاجُّ بلال ويؤمُّ المصلِّين القلائل، ثم يقضى ساعات نهاره فى صنع السِّلال التى يأخذها منه تاجرٌ بدينٌ مستديرُ الوجه، يُشبه القِطَّ. يعطيه فى مقابلها حفنة جنيهاتٍ، يمنحها الحاجُّ بلال لابنته الوحيدة «محفوظة» أمِّ الأطفال الكثيرين، الغائب أبوهم فى العراق منذ عامين. لا يأتيهم منه مالٌ ولا خبرٌ.

أناسٌ هنا يهمسون بأنه هجرهم إلى غير رجعةٍ، لأنه مسجونٌ بالعراق فى موضعٍ سرىٍّ رهيب، داخله مفقودٌ. وآخرون يؤكِّدون أنه متنعِّمٌ هناك ولن يعود أبداً، لأنه تزوَّج من عراقيةٍ باهرة الحسن، بيضاء الحنايا كالحليب الصابح، يُسبى حسنها عقول الناس ويُنسى الرجال عيالهم. بعدما طال انقطاعه وانقطع من عودته الرجاء، صارت «محفوظة» مع مَرِّ الأيام بائسة الحال، تشبه السِّلال القديمة.

الناسُ تُشبه بعضها بعضاً، وبعضهم يُشبه بقية الأشياء. الحاجُّ بلال شبيهٌ لأبيه لكنه أَسَنُّ منه، وأنحفُ وأضعف، وكلاهما يشبه طيورَ الحقل الكادحةَ ناقرةَ الأرضِ دوماً لإيجاد الرزق القليل. السائحون وزوَّارُ الآثار يشبهون المهاجرةَ من الطيور، والملوَّنةَ من العصافير الأنيقة المتنقلة بين جزائر النيل. فى الجانب الجنوبى من السودان، يسكر الرجالُ الضِّخامُ ليلاً بأردأ الخمور، ويمرُّون من الطرق المظلمة وهم يترنَّحون، فيشبهون بهيئتهم قردة الغوريللا.

■ ■ ■

علت الشمسُ من خلفه، وتعالت على الطريق أصواتُ السيارات. الساعةُ تعدَّت السابعة، وعليه الاستفاقة من سريانه فى الآفاق البعيدة، والإسراع بدسِّ البوصة فى موضعها السرى بين الصخور، استعداداً ليوم عملٍ جديد. لكنه لن يفيق قريباً من حلمه الجامح الطموح. أن يحصل الصيف القادم على شهادة الجامعة، ثم يعود من السودان إلى أسوان ليقيم بقية عمره مع امرأته النوبية التى ستكون بإذن الله مَتُّوكِّية، ولسوف يُرزق منها بكثير من الأولاد، ويجتهد فى العمل حتى يبنى بالمال الحلال بيتاً واسعاً، ويجعل حجرةً منه مفتوحةً على الشارع لتكون مكتباً سياحياً، سوف يديره بكل الكدِّ حتى يدرَّ عليه المال الوفير، فيساعد أسرته فى السودان ثم يأتى بإخوته حين يكبرون، كى يعاونوه فى العمل ويكونوا مثله مَيْسورى الحال.

صباح الخير

انتبه لصوت السائق، فالتقط السلَّة وقفز إلى الباصِّ برشاقة شابٍّ متحمسٍ، يُدمن التمنىِّ. استوى على الكرسى المخصَّص للمرشدين وهو يُحيِّى السائق بالمعتاد من الكلمات الصباحية، وقبل أن يسأل أخبره الرجلُ الطيب عن الفوج القادم: هى رحلةُ منتصف العام الدراسى، من كلية العلوم بالإسكندرية، عددهم أربعة وثلاثون طالباً وطالبة وثلاثةٌ من الأساتذة معهم أُسَرُهم، المشرفةُ على الرحلة اسمها الدكتورة «هداية أبوالفتح» سيقضون بأسوان أربع ليالٍ فى فندق أبوسمبل، ثم يسافرون إلى الأقصر بالقطار.

السائقُ يتكلم بسرعةٍ وهو يبتسم، فيبدو مع وجهه النحيل وأسنانه المتكسِّرة النافرة، شبيهاً بالفئران. لا بأس فى هذا الشبه. فالفأرُ كائنٌ مسكينٌ بائسٌ، يسكن الجحر ويسكنه الذعرُ، وهو لا يعرف الغرور لأنه لا يتميَّز بالألوان. للفئران لونٌ واحد وهمٌّ وحيدٌ، هو اقتناصُ القليل ثم الفرار إلى الجحور.

أخبره «سهيل العوَّامى» مرةً بأن فئراناً بيضاء تشبه الأرانب، تعيش قرب بلدة اسمها «موشا» بمحافظة أسيوط، والناس هناك يأكلونها سِرّاً. وهذا عجيبٌ مثل بقية القصص التى يسمعها من «سهيل» فلا يصدِّق بها، لكنه لا ينكرها عليه.

لهجةُ السائق تدلُّ على أنه نوبىٌّ من جماعة «الفَجِّكِّى» لكن وجهه غيرُ مألوفٍ. لعله مستأجَرٌ موسمياً للعمل، أو هو وافدٌ جديد. سأله مستفسراً عن اسم الكريم وعمله السابق، فقال الرجلُ إن اسمه «صابر السوَّاق» ويسكنُ على طريق الأقصر، وهو يعرفه من قبل. قال: رأيتك مراتٍ فى المواقع يا زول، فقد كنتُ أعمل مع شركة «ترافكو» لكنى تركتهم قبل أسبوع، هم استبعدونى لأنى طلبتُ زيادةَ الأجر إذا زاد العمل.

معرفة خير بإذن الله

لا يبعد الطريق من موضعه المختار لصيد السمك، عن ميدان «محطة القطار» بأكثر من عشرين دقيقة سيراً بالباصِّ، خصوصاً فى مثل هذا الصباح الباكر.. السائقُ عَبَر من فوق الخزان ثم مال مع ضفة النيل يساراً، وسار مسرعاً نحو المحطة وهو يترنَّم بأغنيةٍ نوبيةٍ قديمةٍ مُبهمة الكلمات. عندما تكاثرت البيوتُ وكثرتْ الدكاكين، استمهل السائق حتى يعطى ما اصطاده لدكَّان الأسماك، لِشيِّه عند الظهيرة.

وعند الحوض الذى بزاوية الدكَّان غسل وجهه ويديه بصابونٍ معطرٍ، وخرج مسرعاً ليستكملا الذهاب إلى المحطة التى دنت.. قبل وصولهما أدار السائقُ مذياعه، فصدحت الآياتُ بصوت عبدالباسط عبدالصمد: وسِيقَ الذين آمنوا إلى الجنة زُمَراً..

غاص لوهلةٍ فى جوف أفكاره، فقال فى نفسه إن الفوجَ سيبقى ثلاثة أيام، يعنى ستأتيه مائة وخمسون جنيهاً أخرى. سوف يبلغ مجموعُ جنيهاته المدَّخرة عند الخال حَمَدون، مع المخبوءة فى الكيس تحت قائم السرير، أربعة آلاف إلا خمسين. قد تصل معه حصيلةُ هذا الموسم إلى قرابة سبعة آلاف، فالأمورُ هذه السنة رائجةٌ والطلبُ عليه فى ازدياد.

الحمد لله الوهَّاب. لا يفصله الآن عن هذا المال الحلال، إلا استقبال الفوج القادم بعد قليل واصطحاب الرحلة من الغدِ إلى المزارات، واحتمال صخب الطلاب وميلهم إلى الاستظراف خلال الأيام الثلاثة، مع سكب المعلومات الأثرية المعتادة لآذانٍ تكون فى أغلب الأحيان غير منصتةٍ.

الأجانبُ ينصتون أكثر، وأكثرَ يدفعون. لكنه لا يحب العمل معهم، ولم يستخرج بعدُ رخصةَ الإرشاد السياحى اللازمة لصُحبتهم. الخفراءُ ومشرفو الآثار يعرفونه، ولن يمنعوه أو يحرجوه بطلب الرخصة إذا اصطحب أجانب معدودين.

والحصول على هذا الترخيص ليس عسيراً عليه، فلديه الكثير من المعلومات عن الآثار، ولسانه طلقٌ بالإنجليزية، وهيئته مقبولة، وجامعىّ. لكنه لا يسعى للعمل مع السيَّاح الأجانب، مع أنهم لطفاء وأكثر كرماً من المصريين الفقراء، كيلا يزاحم المرشدين المعتَمدين.. ولأن
ه ق
د يرى من
الأجانب ما لا يحب ويرضى.

_________________

avatar
إبراهيم عبد المعطى داود

عدد المساهمات : 43
تاريخ التسجيل : 17/09/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الفصل الأول من رائعة د/ يوسف زيدان الجديدة : محال

مُساهمة من طرف إبراهيم عبد المعطى داود في الإثنين سبتمبر 19, 2011 10:28 pm

بداية معبقة برائحة الصوفية والتى يمتاز الكاتب في تدريسها ,, ثم هذا الانزلاق الهادىء نحو الحدث بتسلسله الناعم الرتيب , وذاك الوصف المزدوج للداخل والخارج , أقصد بالداخل هنا هى خلجات النفس وما يعتريها من تغييرات وتقلبات وأمزجة وصراع وأوهام وأحلام ورؤى ,, أما الخارج فالبحيرة والسماء وصنارة السمك والشمس المشرقة والباص والسائق ,, ثم وكعادة الكاتب الكبير هاهو يبحر في غياهب التاريخ حيث بلاد النوبة وما حاق بها من بحيرة السد ..!! والأهل الطيبون حين انطمر الزمان النوبي تحت ركام جسد السد وطين البحيرة ,, وهكذا الفصل الأول من رواية "محال" يوسّد الكاتب أساس المبنى المزمع تشييده ,,لنجلس ننتظر بقية حكاية ابن النيل أو إبن أحمس العظيم , وصاحب المثل العليا والرومانسية الجميلة المتمثلة في أشعاره للبحيرة وللسماء ,,,ترى كيف ستدور الأحداث وإلى أين ستنتهى ..؟!

_________________

avatar
إبراهيم عبد المعطى داود

عدد المساهمات : 43
تاريخ التسجيل : 17/09/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الفصل الأول من رائعة د/ يوسف زيدان الجديدة : محال

مُساهمة من طرف محمد السخاوى في الإثنين سبتمبر 19, 2011 11:55 pm

تتحقق هنا مقولة " النقد إبداع على الإبداع "
avatar
محمد السخاوى
المدير

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
العمر : 56
الموقع : http://kreem.montadarabi.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kreem.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى