منتدى الشاعر / محمد السخاوى
أهلا بزوارنا الكرام

أعطنى الناي ...!!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أعطنى الناي ...!!

مُساهمة من طرف إبراهيم عبد المعطى داود في الإثنين سبتمبر 19, 2011 8:51 am

إ
هـــــــــــداء
إلى جارة القمر و..قيثارة السماء
إلى الفنانة
فيروز
أهــــــدي
قصة قصيرة/ أعطني الناي

اجتاحه يأس حانق ونفذ إلى حواسه كما تنفذ رائحة مجهولة المصدر
إلى مكان مغلق، رمى القلم من بين أصابعه ومزّق الورق المكوّم أمامه
ثم وضع وجهه بين كفيه وهو يتمتم:
- ماذا يجدى؟ مئات المقالات وعشرات الكتب ومع ذلك لم أتقدًم
خطوة واحدة..؟
ثم ما لبث أن انتفض واقفاً واتجه نحو الباب الخارجي وعبره، بعد أن
صفعه بشدة، استقبلته دفقات من الهواء الخماسينيّ المحمّلة باللزوجة
والتراب، سعل، وضع كفه فوق فمه وتابع مسيره حتى الشارع الرئيسي الذي كانت تتسابق فوق أديمه السيارات والخلق فى تدفق وضجيج،
وقف على محطة الباص يتابع المارة فى فضول وتعجب... فبالرغم من
هبّات التراب المتوالية والغبار الذى يثير الكدر إلا أن الوجوه كانت تشرق
بالفرح والعيون تومض بالحب.. الحب، نعم الحب الذى تضخًمت به
بطون الكتب وسكب قلمه وسطّر الآهات والدموع والأوهام: كم انتظر
عبثاً أن يلتهب شىء ما ويشع فى داخله! أن تتقد الجوهرة الحمراء
التى فى صدره وتدق دقات المحبين والعشاق!؟ تنهد تنهيدة طويلة، فالفراغ الرطب فى قلبه جعل أعوامه الخمسين بلا معنى... شرد
ذهنه.. إنه يفتقد شيئا ما ..! هل ضاع منه أحد أسرار الخليقة ..؟ عاد
الخمول يغرقه، نظر مرة أخرى إلى أطراف القميص التي علاها البلى... لاحظ ذلك منذ شهر ولم يهتم ..
ولماذ يهتم ..؟ وصل الباص فصعد، كان الباص شبه خال.. تصفح وجوه
الجالسين وجلس فى أحد المقاعد، ثنى ذراعه وأخرجه من النافذة، تأمل وجه
الفتاة التى تجلس أمامه، كان وجهها جامداً لايوحى بشىء، نظر فى
وجهها وفكر فى مئات الأشياء دفعة واحدة، فكر أنه تقع حالياً ملايين
الأحداث فى الدنيا: يصرخ آلاف الأطفال وهم يتضورون جوعاً.. تلتحف
العاهرات بأوراق البنكنوت والذكور يضاجعوهن فى شبق وجنون.. ينتهى شاعر من سرقة قصيدة أستاذه طمعاً فى التتويج.. يصرخ قرد فى
الغابة ونمر يلطمه تمهيداً لالتهامه.. فى البحر تتسابق طيور النورس
فى التقاط الأسماك من بين الأمواج.. أما من باطن الأرض فتتحرك ملايين النباتات بحنين إلهي لا يقاوم نحو الشمس... يحدث كل ذلك بينما
هو يجلس ساكناً لا يفعل شيئاً سوى ازدراد ريقه وقراءة اللافتات وإلقاء نظراته على المقاعد الخالية... ثم فجأة وجد جسده ممدداً على أرضية الباص، ماذا حدث ..؟ كيف حدث ..؟ انتفضت الفتاة الجالسة
أمامه ومدت يدها وأمسكت بيده وسحبت جسده حتى أجلسته.. كان كفها
بارداً مثلجاً رغم تورد خديها.. ثم سحبت يدها وقالت فى صوت عذب:
- كيف حالك الآن ..؟
إنها تتحدث إليه وهو يرد عليها، كان وجهها جاداً ورقيقاً في الوقت نفسه، خيل إليه أنه لمح مع ظلال الجد ظلاً رفيعاً من الحب.. نعم الحب، هل هذا هو الحب..؟ هل أحس به..؟ هل انتفضت الجوهرة الحمراء ودقت دقات المحبين والعشاق..؟ لا.. لعله يبالغ قليلاً، ليس حبا.. لعله مجرد ود، بل ليس ودا تماما بل محض إشفاق، إن لم يكن إشفاقاً مشوباً
بسخرية... كلا.. كلا.. إنه ليس إشفاقا من النوع المهين الذى اعتادت الفتيات أن ترمقنه
به، بالتأكيد كان هذا عطفاً ممزوجاً بالود... والأكثر تأكيدا أنه مضطرب قليلا.. أليس كذلك..؟ الأولى به أن ينهض ويجلس فى مقعده.. وهذا ما لم يتأخر في فعله...
نمً فمها عن ابتسامة محددة، ثم أشاحت بوجهها عنه وسرعان ماعاد للوجه جموده... نزلت الفتاة بعد محطتين، نزل خلفها غير أنه وقف متسمراً، تابعها وهي تخطر برشاقة في نهر الطريق وذيل فستانها
ينحسر بفعل الريح.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة وفكّر، ألا يكفيه تلك الومضة السريعة من الود الذى برق من عين الفتاة وهى تسحب يده
وتجلسه وتكاد أنفاسها تختلط بأنفاسه؟؟ ألا يكفيه هذا؟؟ عندئذ طاف
انطباع الرضا على وجهه، دس يديه داخل جيوب بنطلونه وزمً شفتيه
ونفخ فانطلق صفير عذب منغم...
سار متمهلا وهو يتمتم:
أعطني الناي وغني فالغنا سر الخلود
وأ
نين
الناي يب
قى بعد أن يفنى الوجود

_________________

avatar
إبراهيم عبد المعطى داود

عدد المساهمات : 43
تاريخ التسجيل : 17/09/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعطنى الناي ...!!

مُساهمة من طرف محمد السخاوى في الإثنين سبتمبر 19, 2011 2:36 pm

فى لغة صافيه كأديم السماء فى ليلة مقمرة يأخذنا إبراهيم عبد المعطى داود إلى تلك اللحظات الحافلة بالأحداث ليجعلنا نعيش ونتعاطف مع بطل قصته الذى تهز كيانه المشاعر المتلاطمة كالموج فى يوم ريحٍ عاصف ... ثم تنتهى القصة نهاية مفاجأة حيث يتخلى البطل عن مطاردة الحبيبة و يستسلم للناى الذى راح يصدر صوته من بين شفتيه كعادة الشباب حين يطربون لأمر ٍ من الأمور ... هذا الناى المحير الذى يحمل دلالات عديدة تدعونا من طرفٍ خفى إلى التأمل الطويل .
avatar
محمد السخاوى
المدير

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
العمر : 57
الموقع : http://kreem.montadarabi.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kreem.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعطنى الناي ...!!

مُساهمة من طرف إبراهيم عبد المعطى داود في الإثنين سبتمبر 19, 2011 9:43 pm

محمد السخاوى كتب:
فى لغة صافيه كأديم السماء فى ليلة مقمرة يأخذنا إبراهيم عبد المعطى داود إلى تلك اللحظات الحافلة بالأحداث ليجعلنا نعيش ونتعاطف مع بطل قصته الذى تهز كيانه المشاعر المتلاطمة كالموج فى يوم ريحٍ عاصف ... ثم تنتهى القصة نهاية مفاجأة حيث يتخلى البطل عن مطاردة الحبيبة و يستسلم للناى الذى راح يصدر صوته من بين شفتيه كعادة الشباب حين يطربون لأمر ٍ من الأمور ... هذا الناى المحير الذى يحمل دلالات عديدة تدعونا من طرفٍ خفى إلى التأمل الطويل .

مروركم الكريم أنار نصى المتواضع وكلماتكم الجياشة أفضل من الف باقة ورد وريحان .

_________________

avatar
إبراهيم عبد المعطى داود

عدد المساهمات : 43
تاريخ التسجيل : 17/09/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أعطنى الناي ...!!

مُساهمة من طرف محمد السخاوى في الإثنين سبتمبر 19, 2011 11:40 pm

العفو أستاذنا و أديبنا الكبير .... وجودكم بيننا فى هذه الساحة المتواضعة يجعلنا نشعر بأن منتدانا من أرقى المنتديات الأدبية ...
avatar
محمد السخاوى
المدير

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
العمر : 57
الموقع : http://kreem.montadarabi.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kreem.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى