منتدى الشاعر / محمد السخاوى
أهلا بزوارنا الكرام

قصة قصيرة " روبسبير "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قصة قصيرة " روبسبير "

مُساهمة من طرف محمد السخاوى في الجمعة سبتمبر 16, 2011 8:57 am



بقلم / محمد السخاوى
ـــــــــــــــــــــــ
المقهى يعجُّ بالزبائن ، فلا تسمعُ إلا تصفيقةً من هنا أو تصفيقةً من هناك تلفتُ نظرَ النادل إلى أحد الرواد يريدُ مشروباً ما ، أو يريدُ تغيير حجر النارجيلة ، أو دفع الحساب لينصرف ، وحمدتُ الله لأنى لمحتُ مقعداً خالياً فى إحدى الزوايا ؛ فسعيتُ إليه مروراً من بين المقاعد والجالسين ، وجلستُ أفكرُ فيما سأقوله لزوجتى ؛ فهذا هو اليوم الثانى على التوالى الذى ينتهى فيه (طابور العيش) دون أن أحصل على رغيف خبز واحد ، وزوجتى ـ عادة ً ـ ما تحل هذه المشكلة بالاعتماد على الخبز الحر المرفوع عنه الدعم ، وهو غالى الثمن ، ولا يُشبع ، ولو ظللنا نعتمدُ عليه لالتهم أكثرَ من ربع الميزانية التى أعدتها زوجتى للطعام .
إن أزمة الخبز تشتدُ ، والسيد وزير التضامن أدى مهمته بالظهور لنا فى التلفزيون ، والإدلاء بتصريحاتٍ حول تيسير توزيع الخبز لم يوضع حرفٌ واحدٌ منها فى موضع التنفيذ ، وقلت لنفسى :
ـ ما علينا ، ولأستدعِ النادل ، ثم صدرَ منى تصفيقةٌ وتصفيقتان .
ـ "أيوة جاى" .
ـ واحد شاى من فضلك .
وأجاب النادل وقد بدا فى هيئته وصوته أثرُ ضغطِ العمل الذى يحتاجُ إلى نادليْن معه على الأقل :
ـ حالاً يا أستاذ .
وقررتُ أن أُسرِّى عن نفسى بمشاهدة التلفاز فى هذا المقهى العامر ، ورفعتُ بصرى فإذا قناة (دريم2) تعرض برنامجاً للداعية الإسلامى ( عمرو خالد ) وقلتُ فى نفسى : " ما أفضلَ هذا الداعية الوسَطىَّ ؛ الذى يمهد طريق الهداية للشباب والصبايا ويحببهم فى الصلاة وأداء شعائر الدين ، وسرحتُ بفكرى قليلاً فتذكرتُ الأستاذ محمود مدرس اللغة العربية والدين ونحن فى المدرسة الابتدائية عندما شرح لنا قواعد الإسلام ، إن الشىء الذى علق بذهنى من يومها هو تشبيه الأستاذ لقواعد الإسلام بقواعد العمارة السكنية ، وطرح علينا السؤال يومها :
ـ ماذا لو وضع المهندس القواعد ولم يبنِ العمارة ؟
ورفعتُ أصبعى متحمساً هاتفاً :
ـ أنا يا أستاذ ، أنا يا أستاذ .
وتكلم الأستاذ بصبرٍ كاد أن ينفد ، قال :
ـ ألم أقل لكم بلا هتاف ؟!
ثم أشار نحوى لأجيب ، وأذكر يومها أنى أجبتُ باقتضابٍ وثقةٍ :
ـ ما ينفعش .
وصوَّبَ الأستاذ بصره نحوى ، ورحتُ أبتلع ريقى فى انتظار الكلمة التى ستخرج من فمه ، وهل ستكون تأنيباً أم تقريعاً ، وتحركتْ شفتا الأستاذ وهما تنفرجان عن ابتسامة :
ـ صفقوا له .
وعند هذا الحد انقطع حبل الذكرى الجميلة ، وراحت عينى تتأمل ما حولى ، وما وصلنا إليه , مع أن الدعاة توالدوا عبر الأجيال فمنهم دعاة قدامى ومنهم دعاة جدد .
تذكرتُ الشيخ أحمد حسن الباقورى ، والشيخ المحلاوى ، والشيخ كشك والشيخ الشعراوى ، وسألتُ نفسى :
ــ ألم يبذلوا الوقت والجهد فى دعوة القوم إلى الإسلام ؟! والقوم قسمان : قسمٌ بيده الأمر ، وقسمٌ مابيده حيلةٌ ، قسمٌ حاكمٌ ، وقسمٌ محكوم ، والقسم الأول مُهمٌ لأنه إذا صلُحَ يَصلحُ القسم الثانى ، ولكن هل حقاً جاء كلام الدعاة فى أذنٍ من طين وأخرى من عجين ؟! ألم يقل أحدُهم : إن الرسول الكريم قال " كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته " ؟ وها هى الرعية لا تجدُ الخبز بطريقة كريمة ، وهاهم أبناء الرعية لا يجدون موارد الرزق ، فلماذا يدفعون بهؤلاء الدعاة فى قنوات الإعلام ؟! لابد أن فى الأمر خدعة ...
وقبل أن يصيبنى الدوار صفقت تصفيقتين ، فجاء النادل .
ـ كم حسابك ؟
ـ جنيه .
ـ تفضل ، ألف شكر .
وقمتُ أجرجر أقدامى عائداً إلى البيت .
كانت زوجتى تشاهد الشيخ الداعية "محمد حسين يعقوب" ، أحد الدعاة المتشددين ، الذى يحتج لإثبات فرضية اللحية والنقاب ، ويُحرِّم بعض الذى أحله الله كالتلفزيون مثلاً ، وبادرتُها :
ـ السلام عليكم .
ـ وعليكم السلام ، أين الخبز ؟!
ـ كالبارحة ... وارتسمتْ تكشيرةٌ على وجهها الجاد وتحدثتْ بصبرٍ نافد :
ـ أسنشترى بأربع جنيهات خبزاً حراً مرةً أخرى ، لا الميزانية تتحمل ولا بناتُك يُفضلن هذا النوع من الخبز .
وجلستُ أتابعُ الشيخ ثم بدا الهدوءُ على ملامحها قليلاً وهى تقول :
ـ على كل حال سأرتدى الإسدال والنقاب وأذهبْ لأشترى بعض الدقيق ، وليُعنِّى اللهُ لأخبزَه لكم .
ـ افعلى ما تشائين ، ولكن اتركينى أشاهدُ قناة الجزيرة ريثما تعودين .. وتناولتُ جهاز التحكم ورحتُ أستعرضُ القنوات ؛ كانت قناةُ "العربية" تعرضُ شريطاً تمثيلياً عن الثورة الفرنسية ، ويا للمصادفة العجيبة فقبيل الثورة ارتفع ثمنُ الخبز جداً ، ولم يأبه ساكن قصر فرساى " لويس الرابع عشر" بمعاناة الشعب وعندما أخبرتْ الحاشيةُ زوجته "مارى أنطوانيت" بأن الشعب لا يجد الخبز ، قالت فى دهشة :
ـ ولماذا لا يأكلون الجاتوه ؟!
وكان رجالُ الدين يسوِّغون للشعب حياة الجوع ، ويعظونه بطاعة أولى الأمر ، ولكن شاباً ينتمى إلى النخبة المثقفة من الفرنسيين ظل يخطبُ فى الجموع الجائعة المسحوقة ليفتحوا أعينهم على الحرية والعدالة ، والحياة الكريمة ، إنه روبسبير الشهير ، وقد قيل إنه لم يمُتْ حتى الآن !!! وإنه معجزةٌ من معجزاتِ الله ، يتكلمُ بكل لسان ، ويستجيب لعذاباتِ الشعوب ويقوم فجأة مضحياً فى سبيل الحق الحقيقى بمداد المحابر ، وصراخِ الحناجر ، وقطراتِ الدم الثائر .
وفتحتْ زوجتى الباب ، ووضعتْ ما فى يدها على طاولة المطبخ ، ودخلتْ فارتمتْ على المقعد بجوارى ، وقبل أن تنبسَ بكلمةٍ واحدةٍ تناولتْ جهاز التحكم وبضغطةٍ واحدةٍ أعادتْ القناة ، وراحت تتابع من جديد ما يقوله الشيخُ الجليل .
ـــــــــــــــــــــــ








avatar
محمد السخاوى
المدير

عدد المساهمات : 62
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
العمر : 57
الموقع : http://kreem.montadarabi.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kreem.montadarabi.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى